العودة إلى المكتبة

مقال · الدبلوماسية الواعية

فنّ التماهي

هناك كذبة نعرفها جميعاً، وأخرى نعيش داخلها دون أن نسميها كذباً.

فينوس العربيد10 دقائق قراءة
01

الكذبة الأكثر أناقة

الأولى بسيطة: شخص يقول شيئاً وهو يعرف أنه غير صحيح.

أما الثانية فأكثر أناقة. لها مؤسسات، وشعارات، وتقارير، ومؤتمرات، ومنصات، وخطابات عن العدالة والتنمية والإنسانية والسلام. وقد ترتدي أحياناً بدلة رسمية، أو تظهر في صورة جماعية أمام أعلام كثيرة. لهذا يصعب اكتشافها.

العالم اليوم يبدو، للوهلة الأولى، منقسماً بين أنواع مختلفة من المجتمعات. هناك مجتمعات تتناوش فيما بينها؛ الخلاف فيها ظاهر، والخصومة معلنة، والاتهامات متبادلة. وهناك مجتمعات أخرى أكثر مؤسساتية؛ لا ترى فيها الخلافات بالطريقة نفسها، بل ترى مؤسسات ومنظمات ومنصات وأشخاصاً مؤثرين يتحدثون عن الحقوق والعدالة والسلام والتنمية.

في المجتمعات المتناوشة، يكون الصراع واضحاً، لكن أسبابه الحقيقية غالباً ليست كذلك. يقال لنا إن الخلاف بسبب قضية، أو حدود، أو هوية، أو تاريخ، أو اختلاف سياسي. لكن خلف هذه الأسباب المعلنة توجد دائماً طبقات أخرى: مصالح، موارد، نفوذ، أمن، اقتصاد، خوف، أو رغبة في الاحتفاظ بموقع ما.

أما في المجتمعات المؤسساتية، فقد لا نرى الصراع أصلاً. وهنا تبدأ اللعبة الأكثر تعقيداً.

لا تحتاج إلى صناعة خلاف جديد عندما تستطيع أن تختار أي خلاف موجود في العالم، وتمنحه مساحة أكبر من حجمه، وتضع حوله اللغة المناسبة، ثم تجعله يبدو وكأنه يمثل العالم كله.

صورة واحدة يمكن أن تصبح قضية. قضية يمكن أن تصبح حملة. حملة يمكن أن تصبح سياسة. والسياسة يمكن أن تصبح مبرراً لسنوات من العمل والإنفاق والتدخل والتأثير.

ليس بالضرورة أن تكون الصورة كاذبة. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية. قد تكون الصورة حقيقية تماماً. لكن الحقيقة لا تصبح كذبة إلا عندما تُستخدم لتغطية حقيقة أخرى.

قد يكون هناك ظلم فعلاً، وقد يكون هناك ضحايا فعلاً، وقد تكون هناك حاجة حقيقية إلى المساعدة. لكن السؤال الدبلوماسي الأهم ليس فقط: هل هذا صحيح؟

  • لماذا هذه القضية الآن؟
  • ولماذا بهذه الطريقة؟
  • ولماذا بهذا الحجم؟
  • ومن الذي يستفيد من الطريقة التي نراها بها؟

هنا يبدأ فن الكذب.

الكذب السياسي الأكثر نجاحاً ليس أن تخبر الناس بشيء غير صحيح. بل أن تخبرهم بحقيقة صحيحة، وتتركهم يستنتجون منها القصة التي تريدها. وهذا ما يجعل المسألة أخطر من الكذب المباشر. لأن الحقيقة، عندما تُنتقى، يمكن أن تصبح أداة.

02

ما الذي يحدث تحت الخطاب؟

هناك سؤال بسيط يزعج كل هذه الصورة: إذا كانت المجتمعات والمؤسسات والمنصات التي تتحدث عن العدالة والإنسانية والتنمية والقيادة تملك كل هذا الوعي والخبرة والموارد، فلماذا لا تدخل إلى جذور المجتمعات المتناوشة؟ لماذا لا تساعدها على الوصول إلى العدالة التي تتحدث عنها؟

لماذا لا يتحول كل هذا الخطاب إلى قدرة حقيقية على إنهاء أسباب الصراع؟ ولماذا، بعد عقود من المؤتمرات والبرامج والمبادرات والبيانات، ما زلنا نرى العالم يعيد إنتاج الأزمات نفسها بأسماء مختلفة؟

ربما لأن العالم لا يعمل دائماً بالطريقة التي تصفها خطاباته. وربما لأن الخطاب ليس دائماً هو الهدف. أحياناً يكون الخطاب أداة للوصول إلى هدف آخر.

قد تكون هناك أجندة. قد تكون هناك صورة تريد دولة أو مؤسسة أن تحافظ عليها. قد يكون هناك نجاح سياسي مطلوب إثباته. قد تكون هناك ميزانيات ومصالح ومواقع ونفوذ. وقد يكون هناك ببساطة هدف لا يُقال لأنه لن يكون مقبولاً لو قيل بصراحة.

وهذا لا يعني أن كل مؤسسة تكذب، أو أن كل مبادرة إنسانية تخفي مؤامرة، أو أن كل شخص يتحدث عن العدالة منافق. التبسيط بهذه الطريقة هو الوجه الآخر للكذب.

المشكلة أكثر عمقاً. نحن نعيش في عالم يمكن أن يكون فيه الشخص صادقاً في خطابه، بينما تعمل المؤسسة التي ينتمي إليها وفق منطق مختلف. وقد تكون المؤسسة صادقة في بعض أهدافها، لكنها مضطرة إلى حماية مصالح أخرى. وقد تبدأ المبادرة بهدف إنساني حقيقي، ثم تدخلها السياسة، ثم الاقتصاد، ثم حسابات النفوذ، حتى يصبح من الصعب معرفة أين ينتهي الخير وأين تبدأ المصلحة.

لذلك لا يكفي أن نسأل: هل هؤلاء جيدون أم سيئون؟ السؤال الأكثر نضجاً هو:

ما الذي يحدث تحت الخطاب؟
03

المسافة بين الكلمات والحقيقة

الدبلوماسية تعرف هذا جيداً. فالطاولة لا تحتوي فقط على الكلمات التي يسمعها الجالسون حولها. هناك ما قيل. وهناك ما لم يُقل. هناك الموقف الرسمي. وهناك المصلحة الحقيقية. هناك ما يطلبه الطرف. وهناك ما يحتاج إليه فعلاً. وهناك أحياناً ما يريد أن يعتقد الطرف الآخر أنه يريده.

الدبلوماسي الجيد لا يتعامل مع الكلمات باعتبارها الحقيقة الكاملة. لكنه أيضاً لا يفترض أن كل كلمة كذبة. إنه يبحث عن المسافة بين الاثنين. وهذه المسافة هي المكان الذي تعيش فيه السياسة الحقيقية.

قد يقول طرف: «نحن نريد السلام». وهذا قد يكون صحيحاً. لكن أي سلام؟ وبأي شروط؟ ومن يدفع ثمنه؟ ومن يضمنه؟ ومن يخرج منه أقوى؟ ومن يخسر القدرة على التفاوض بعده؟

هنا لا تعود كلمة «السلام» كافية. وكذلك «العدالة». وكذلك «الإنسانية». وكذلك «التنمية». الكلمات الكبيرة جميلة، لكنها لا تكشف وحدها ما يحدث خلفها.

04

كيف نقرأ ما يبدو جيداً؟

ربما لهذا السبب لا أعتقد أن المشكلة الأساسية في العالم هي نقص المؤسسات. لدينا مؤسسات كثيرة. ولا هي نقص الخطابات. لدينا خطابات أكثر مما نستطيع قراءته. ولا هي نقص المبادرات. هناك مبادرات لا تحصى.

ربما المشكلة في شيء أكثر بساطة وأشد صعوبة: أننا لم نتعلم بعد كيف نقرأ ما وراء الأشياء التي تبدو جيدة. ليس بهدف الشك في كل شيء. بل بهدف فهمه.

فالوعي الحقيقي لا يقول: «كلهم يكذبون». هذه أيضاً إجابة سهلة. الوعي يقول: «أرني الصورة كاملة.»

  • مَن يتحدث؟
  • ماذا يقول؟
  • ماذا لا يقول؟
  • ما الذي يركز عليه؟
  • ما الذي يغيب عن الصورة؟
  • ما النتيجة التي يريد الوصول إليها؟
  • ومن الذي سيستفيد إذا صدقنا الرواية بهذه الطريقة؟
05

ما الذي لا يُقال؟

ربما يكون «فن التماهي» في النهاية أقل ارتباطاً بالكاذب وأكثر ارتباطاً بنا نحن. لأن الكذبة تحتاج إلى شخص يريد أن يصدقها.

وأحياناً لا نريد الحقيقة كاملة. نريد قصة مريحة. نريد أن نعرف من هو الشرير ومن هو الضحية. نريد قضية واضحة، وموقفاً واضحاً، وانتماءً واضحاً.

ولهذا يمكن أن تصبح المجتمعات المتناوشة أسيرة روايتها عن أنها صاحبة القضية المحقة، بينما تصبح المجتمعات المؤسساتية أسيرة روايتها عن أنها صاحبة الرسالة الإنسانية. وفي الحالتين، قد يبقى الإنسان في المنتصف. يُستخدم مرة باسم القضية. ومرة باسم العدالة. ومرة باسم السلام. والعالم يستمر في الدوران بين الخطابات والنتائج.

لذلك، ربما لا يبدأ السلام العالمي عندما تتفق جميع المجتمعات على خطاب واحد. ربما يبدأ عندما نتعلم جميعاً أن نسأل السؤال الأصعب:

ما الذي لا يُقال هنا؟

لأن خلف كل خطاب تقريباً شيء أعمق. قد يكون مصلحة. قد يكون خوفاً. قد يكون طموحاً. قد يكون حقاً حقيقياً لم يجد طريقه إلى العدالة. وقد يكون أجندة.

والفرق بين عالم يستمر في تكرار صراعاته، وعالم يبدأ فعلاً بفهمها، قد يكون ببساطة في قدرتنا على رؤية ذلك الشيء الذي يقف خلف الكلمات.